أراء وكتاب وتغريدات

الحرب الروسية الأوكرانية .. صراع حديث يؤقض مخاوف قديمة

المكلا (الوسطى اونلاين) المحامي أحمد علي الخنبشي

لم يكن الإجتياح الروسي لأوكرانيا هو لهدف عابر حسب المضامين التي تنشر في عناوين الصحف او عواجل التلفاز وللأمر أسبابه التاريخيه والقومية وأن تغلفت بطوابع سياسية فالمخاوف الروسية حاضره من تكرار تجارب تاريخية دمويه تأبى النسيان ..

— أرث تاريخي مشترك
شعبي روسيا وأوكرانيا جميعهم ينتمون من عرق واحد وهو عرق السلاف مثلهم مثل البلغاريين واليوسغلافين وتجمعهم صفات مشتركة كثيرة إما قومية او دينية فكلاهم ينتمون للكنسية الأرثوذكسية ولهم لغة واحدة وهم بالأصل جزء من شعب الأمه الروسية قبل الإشارة إليهم بالروس الصغار والتي يقصدوا بها أرض أوكرانيا حالياً وظهور هويتها المستقلة التي تحاول الانفصال بها عن روسيا وهؤلاء الشعبيين السلافيين القابعين شرق أوروبا يختلفوا كلياً عن الاعراق الموجودة في غرب أوروبا الجرمانية والانجلوسكسونيه.. فقد مرت على الأمة الروسية بالعديد من تجارب الحكم المشترك فكييف كانت عاصمة روسيا التاريخية وقد صدا الكثير من الغزوات الغربية فمساحة روسيا اليوم ذات المساحة الشاسعة وربط قارات أخرى ببعضها لم تكن وليدة الصدف بل كان لتوحيد تلك الجمهوريات والقوميات المتنوعة أمر ذات طابع أمني لها من إي تهديدات خارجية على مدى القرون الماضية فروسيا مساحتها من تحميها وهي مطمع لما فيها ثروات طبيعية كما سماها المؤرخين أرض العيش.

— بوتين وحامي حمى الأرثوذكسية
دخلت الكنيسية الأرثوذكسية الى روسيا عن طريق أمير كييف الروسية فلادمير الأول وتحديداً عام 988م بعد ان كانت الوثنية منشرة آنذاك .. اليوم يظهر بوتين اليوم بمفهوم متجدد للسياسيات القديمة فهو متمسك بوثاق الكنيسة ويحاول ان يصوره إعلامه بأنه حامي حمى الأرثوذكسية وحتى يتحصل على دعم الكنيسة في جميع تحركاته السياسية والعسكرية وبما أن أوكرانيا إيضاً تنتمي لذات الكنسية فهذا يجعلهم في مواجهة الكنسية الكاثولوليك الغرب أوروبية و التي حاولت على مدى التاريخ الأنتشار شرقاً دون جدوى بعد ما عرف بالانشقاق العظيم بين الكنيستين عام 1054م والى اليوم مازال الصراع الأزلي حاضراً ولو لم تظهر وسائل الأعلام بشده.
في عام 2018م أنفصلت كنيسه كييف عن الكنيسة الروسية في موسكو كان للأمر وقعة الشديد على الكرملين يرى فيها محاولات غربية لزرع التفكك داخل البيت الأرثوذكسي وهو ما أجج الصراع أكثر وكان أحدى أسباب الحرب اليوم، وفي أشارة اخرى للتقارب الأوكراني الغربي مما جعل اللغة الانجليزية اللغة الأولى التي تدرس حالياً في مدارس أوكرانيا بدل الروسية ومحاولة طمس الهوية والثقافة الروسية مع انجذاب الأوكران لحضارة الغرب المنفتحه والمتجددة وهذا الامر له عواقبة في رؤية موسكو بأن كييف تريد التمرد على تاريخ طويل من الأرث المشترك.

— غزوات غربية تاريخية وحروب عالمية وباردة :
كانت محاولات الغرب (أوروبا الغربية) كثيرة في حمل السلاح والإتجاة شرقاً وأن اختلف الزمن وتعددت الذرائع والمسميات ولأسباب دينية او قومية او اقتصادية فكانت فكرة الخوف من ظهور مجد الأمه الروسية – إشارة لروسيا و أوكرانيا – أمر يثير المخاوف بالغرب فحاولت الأمبروطرية النمساوية أول من حاولت التفريق بين شعوب الأمه الروسية وساندهم البولندين في هذا الأمر وسجل التاريخ تحرك نابليون بونابرت في عهد الأمبروطورية الفرنسية بقوافل جيشوه نحو الشرق ودخل موسكو في مايعرف بأسم (حريق موسكو) وهو النهج الذي أقدم عليه الروس بسياسة الأرض المحروقة فانسحب منهزماً بعدها ومرت الأزمان ليغزو الألمان وحلفاؤهم بقيادة أدولف هتلر بعميلة (بربروسا) ويسجل ذلك كأكبر غزو بالتاريخ أتجاه شرق أوروبا عام 1941م بعدد 3.5 مليون جندي (وأن كان بعض المؤرخين لهم أعتبارات خاصة بشأن أستقبال الأوكران للألمان كمحررين) إلا ان الأتحاد السوفيتي بقيادة جوزيف ستالين دحر الألمان بعد معارك دامية ومكلفة ذهب ضحيتها 25 مليون أنسان وتسقط المانيا وتنتهي معها اسطورة الرايخ الثالث .. وتسليط الضوء ولو بالموجز على هذه الأحداث مهم لمعرفة أن الصراع الشرق والغرب أوروبي قائم لليوم على نزعات متعددة.
بعد الحرب العالمية ومع الحرب الباردة أصبحت أوكرانيا ومدنها واجهة للصناعات السوفيتية ومنشآتها النووية والصناعية الكبرى وضل الصراع الشرقي غربي قائم بحرارة متفاوته حتى بداية العقد الأخير من القرن الماضي ومع سقوط جدار برلين مؤرخاً نهاية العصر السوفيتي وتفكك الأتحاد إلى دول تربطها الحدود على ماهية عليه اليوم.

— حلف (الناتو) وتهديد جديد لمخاوف قديمة
تأسس حلف الشمال الأطلسي عام 1949م يضم دول المحور الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وسجل كأكبر أتحاد عسكري بالتاريخ و كان في مواجهته حلف (وارسو) الخاص بالكتلة الشرقية والذي اسس عام 1955م إلا أنه ليس بكفاءة التكتل الغربي لأسباب متعددة ليس محورنا الحديث عنها وبعد انهيار الأتحاد السوفيتي أخذ الحلف الأخير أدراج الرياح.
سعت روسيا بعد عام 90م الأنضمام للناتو إلا انها تلقت رفض مبطن مما دعاها في آخر المطاف بأخذ ألتزام من الولايات المتحدة بعدم أضافة إي من الدول التي تفككت من الاتحاد السوفيتي لحلف الناتو وللأسف وهو مالم يحصل .. فسرعان ما تمت أضافة هذه الدول الخارجة من عباءة موسكو تباعاً حتى أصبحت الدول 13 السوفيتيه السابقة عضواً في حلف الناتو مما ضيق الخناق على روسيا الأتحادية مستغلين حالتها الاقتصادية الهشه والفساد الحكومي بعد تفكك الأتحاد ..
الكريملن كان يدرك حجم الأثر الواقع على عاتقة بشأن أقتراب حلف الشمال الأطلسي على حدوده وهذا ما أثار مخاوف روسيا القديمة فبعد سقوط الحكومة الموالية لها في كييف عام 2014م بثورة شعبية ممولة غربياً لم تترد روسيا في السيطرة على شبه جزيرة القرم الأوكرانية وبعد فشل المفاوضات مع روسيا التي تعهدت حكومة زيلسنكي الأوكرانية بنجاحها بشأن القرم وأقليم دونباس ذو النزعة الانفاصية بدأت أوكرانيا الأقتراب شيئا فشيئاً لدول الناتو والأشارة لأنضمامها للحلف وهذا وحده كفيل بأن يضع الروس في أكبر مآزقهم ويوقظ أكبر مخاوفهم التاريخية وخصوصا أن بين أوكرانيا وروسيا حدود تبلغ حوالي 1500 كم ولأنه منذ الأزل قديم كانت موسكو تضع حائط صد مكون من مجموعة دول خاضعة لها سياسياً بينها وبين الغرب فبعد الأحداث الأخيرة هدد ذلك الجدار ولو كتب ان تدخل اوكرانيا حلف الناتو فأن هذا يضع روسيا والغرب وجهاً لوجه ، هذا الأنذار الأخير قادها مؤخراً بحسم الأمر عسكرياً والدخول بكامل قوتها وقد أشار بوتين في احدى تسجيلاته المتلفزه قبيل الحرب الاوكرانية : انه من العار ان تكون صواريخ الناتو تبعد عن موسكو اقل من 2000 كم وان اجدادنا لو كانوا أحياء ما كانوا ابداً ان يسمحوا بذلك ، وهذا دلالة على ارتباط التاريخ بالحاضر والمستقبل بشأن أستمرار صراع الهويات والقوميات الأزلي بين السلاف الأرثوذكسين والجيرمن والانجلوسكسين الكاثولويك وان حاول الاعلام تغيير بعض التسميات او تجاهلها إلا ان هذه الحقيقه التي ستظهر آثارها يوماً ما.

— حرب متعثرة :
يوم الرابع والعشرين من فبراير لعام 2022م ليس كما قبله في من خلاله أتخذ الكريملن قرار الحرب لحل مالم تحله السياسية وقد أجتازت دبابات تي 72 الروسية الحدود الأوكرانية من الشرق عبر أقليم دونباس والشمال عبر البلاروسيا ، رغم التحذيرات الغربية المتكررة بشأن نشوب حرب لوجود حشد عسكري روسي صوب أوكرانيا إلا ان العالم تفاجأ بقرار موسكو القطعي وأبدى الأوكران مقاومة مستبسلة في مواجهة الروس مما دفعهم للتراجع بأتجاة الشمال واقصى الشرق بعد ان كانوا يبعدوا مايقرب من 10 كم من العاصمة كييف.
حتى كتابة هذه الأسطر مرت أربعة أشهر من نشوب الحرب فشل الروس في تحقيق أهدافهم الأستراتجية بالحرب رغم أن البينتاغون قدر بأنتهاء الحرب في تقدير أولي ب 96 ساعة إلا أن الحرب كفتح الغرفة المظلمة ولوجود عجز واضح لدى الجيش الروسي في بعض المواقع لم يغفله ذوي الاختصاص العسكري ومنها ضعف فرق الصيانه والأمداد لمباشرة إي قطاع عسكري داخل أوكرانيا فضلاً عن عدم قدرة الروس على وضع منطقة حظر طيران مما جعل قوافل الجيش الروسي تتعرض لضربات المسيرات الأوكرانية في مشهد لا يليق بتاريخ روسيا العسكري وكذلك تواصل الامداد الغربي عبر بولندا دون مقدرة الروس الدائمة على قطعه مما أطال زمن الحرب وأرتفاع الكلفة البشرية والمادية.
كانت أفغانستان درس مؤلم وقاسي لموسكو ولكن نرى بأنها لم تستوعب الدرس جيداً بعد مرور اكثر من 35 سنة ترتكب نفس الاخطاء حيث أستطاع الغرب دون التدخل المباشر في التحكم بقواعد اللعبة في ساحة المعركة ميدانياً من حيث الدعم بأسلحة مضادة كصواريخ جافلين التي اثبت فعاليتها ضد الدروع الروسية وصواريخ ستينغار المحمولة عالكتف والطائرات المسيرة كل ذلك كلف روسيا خسائر ودفعها من الانسحاب من عدة جبهات وأعاده تموضعها للتركيز على مناطق الشرق الأوكراني (المناطق الأنفصالية أتجاة أقليم دونباس) وكذلك جنوب أوكرانيا أتجاه البحر الأسود وبحر آزوف وخصوصاً سيطرة الروس على مدينة ماريوبل وإعادة تشغيل الميناء الخاص بها وهو كان منفذ بحري أوكراني مهم وان كانت الفاتورة باهضة روسياً إلا أنها أكثر كلفة على حساب الأرض والانسان الأوكراني فحكومة كييف هي الأخرى تتحمل المسؤولية الأكبر في هذه الحرب ليسجل التاريخ أخطاء الساسة وعواقب سوء تقدير المواقف.


— كلمة أخيرة :
بما أن البنادق قد حملت على الأكتف والدماء سالت فأحداث الحرب مازالت تتوالى علينا ولا أحد يمكنه توقع نهايتها بالقريب خصوصا عندما الأمر يمس أمن قومي وتهديد خطير لدولة مثل روسيا وان كانت تدعي بأنه حق مشروع في المقابل تخلى الغرب عن التزاماته السابقة عن عدم أضافة إي من الدول الخارجة من عباءة الاتحاد السوفيتي للناتو وكذلك حاولت التضييق أكثر فأكثر على الروس عسكرياً وأقتصادياً مما ينذر بوقوع مالا يحمد عقباه.
روسيا لم تعتمد على حلفاؤها كثيراً فهي تعرف أن دولة كالصين نالت ما تستحقه من العقوبات الأمريكية ولا يمكنها المغامرة بأقتصادها ومصالحها في حرب لا ناقله لها ولا جمل فهي حرب مستجدة من سلسلة حروب يجددها التاريخ بين الشرق والغرب الأوربي فضلاً عن أنشغالها بأزمة تايوان وأستقلالها ، وكذلك كوريا الشمالية التي تعاني من مشاكلها الداخلية وانشغالها بجارتها الجنوبية أما باكستان اول مؤيدي الكريلمن في الحرب الروسية فقد نجحت الخطة الغربية سريعاً بالاطاحة بحكومة عمران خان من الداخل ، موسكو تعلم أنها تسير في الطريق وحيدة وتواجه قدرها المحتوم في مواجهة التكتل الغربي الحديث تحت مسمى (الناتو) وها هي فنلندا والسويد يخرجا من عباءة الحياد بعد عقود طوال ويقدمون أوراق اعتمادهم في بروكسل عقر حلف الشمال الاطلسي مما يزيد من تعقيد الموقف أكثر ويقلص فرص الحل المشترك ، أما تصريحات موسكو المتكررة حول استخدام ترسانتها النووية يجب أن يأخذ على محمل الجد وان كان حالياً خيار مستبعد وذلك لإيصال رسائل سياسية إلا ان الغرب بالمقابل يسير هو كذلك نحو تصعيد الموقف أكثر .. روسيا تعرضت لعقوبات اقتصادية هي الأشد بسبب حربها الاخيرة وبالمقابل ألزمت الدول المستوردة لغازها بالدفع بعملة الروبل مما ينعكس بالسلب على الاقتصاد العالمي المعتمد في دفع التزاماته بالدولار الأمريكي (وهذه العملية التي قام بها البنك المركزي جعلت من الروبل يصل لأفضل مستوياته مقابل الدولار منذ 2015) ومع مرور الوقت ومع هذا وذاك فأن العالم اليوم لا يمكنه تحمل نتائج حروب الكبار العالمية وآثارها المدمرة على العالم أجمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى